سيد محمد طنطاوي

326

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الذي يكون مفروشا فرشا أنيقا جميلا . أي : هم في نعيم دائم لا يقادر قدره ، وهم - أيضا - يجلسون على السرر المهيأة لجلوسهم تهيئة حسنة ، ينظرون إلى كل ما يدخل البهجة والسرور على نفوسهم . وحذف مفعول « ينظرون » لقصد التعميم ، أي : ينظرون إلى كل ما يبهج نفوسهم . * ( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) * أي : تعرف في وجوههم - أيها الناظر إليهم - البهجة والحسن ، وصلاح البال ، وهناءة العيش . وإضافة النضرة - وهي الجمال الواضح - إلى النعيم - الذي هو بمعنى التنعم والترفه - من إضافة المسبب إلى السبب . وهذه الجملة الكريمة صفة ثالثة من صفات هؤلاء الأبرار ، ثم تأتى الصفة الرابعة المتمثلة في قوله - تعالى - : * ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) * . والرحيق : اسم للخمر الطيبة الصافية الخالية من كل ما يكدر أو يذهب العقل . والمختوم : أي المسدود الذي لم تمسه يد قبل أيدي هؤلاء الأبرار . وقوله : * ( خِتامُه مِسْكٌ ) * صفة ثانية للرحيق . أي : أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم - أيضا - أنهم يسقيهم ربهم - بفضله وكرمه - من خمر طيبة بيضاء لذيذة ، خالصة من كل كدر . . هذه الخمر مختوم على إنائها بخاتم ، بحيث لم تمسها يد قبل أيديهم . وهذه الخمر - أيضا - من صفاتها أن شاربها يجد في نهاية شربها ما يشبه المسك في جودة الرائحة . وقال الشوكاني : وقوله : * ( خِتامُه مِسْكٌ ) * أي : آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه ، وجد ريحه كريح المسك . وقيل : مختوم أوانيه بمسك مكان الطين ، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته ، وطيب رائحته . والحاصل أن المختوم والختام إما أن يكون من ختام الشيء وهو آخره أو من ختم الشيء وهو جعل الخاتم عليه ، كما تختم الأشياء بالطين ونحوه . وقراءة الجمهور * ( خِتامُه ) * وقرأ الكسائي خاتمه والخاتم والختام يتقاربان في المعنى إلا أنا الخاتم الاسم ، والختام المصدر . . « 1 » . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ) * يعود للرحيق المختوم ، الدال على صلاح بالهم ، وحسن أحوالهم . وأصل التنافس : التغالب في الشيء النفيس ، وهو الذي تحرص عليه النفوس ، بحيث

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 402 .